أقسام المدونة

الأحد، 13 سبتمبر، 2015

لماذا نقارن بغيرنا؟.. تحليل في تقنية التسويق الحكومي وإدارة الرأي العام





لا يكاد يخلو نقاشٍ عن موضوع له ارتباط بالخدمات الحكومية العامة أو المشاريع المقترحة وما في حكمها إلا  وتحضر المقارنات: انظر للدولة الفلانية كيف عملت.. انظر للدولة الجارة كيف صنعت.. في الدولة العلانية كذا وكذا وعملوا كذا وسوف يصنعون كذا.. الخ

في الغالب تحضر تلك المقارنات من باب الغيرة على الوطن وحب التفرد والتميز والحاجة للتفاخر بشيء يرتبط المواطن به روحيا.

ولا أخفيكم بأن هذا الموضوع كان يشدني ويثير فضولي في معرفة أسبابه، هل السبب هو التقصير منا كعمانيين (حكومة وشعبا)؟ أو أن الدولة الفلانية فعلا هي أفضل منا؟ ولماذا نقارن أصلا؟ أو هي عقدة نقص ليس إلاّ؟ وغيرها من التساؤلات.

وحتى لا نتشعب في الموضوع أوجزه في شكل نقاط:

-قبل أن تحضر المقارنة، تحضر المعلومة، وهنا مربط الفرس، كيف ترسخت المعلومة والفكرة لدينا عن الدولة الفلانية بشكل إيجابي وبقت تدغدغ مخيلتنا ، حتى إذا شاركنا في نقاش تحدثنا عنها بشيء من الدهشة والغبطة أو أكثر.

ما كان ذلك ليصلنا –وأقصد المعلومة بغض النظر عن دقتها- لولا نجاح سياسة الدعاية والترويج "البروباجاندا" التي تجيدها تلك الدولة عبر أدواتها المتمثلة بوسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وبالطرق المباشرة وغير المباشرة، وبأساليبها المبتكرة والحديثة، والتي تستهدف العقل الباطن قبل الظاهر.

ولتقريب الفكرة أكثر دعونا نضرب مثال توضيحي:

لو أخذنا مثلا الدولة "المجاورة"، وتحدثنا عن المسابقات الثقافية فيها بمختلف أنواعها - كمثال، فإننا نعرف عن تلك المسابقات ومسمياتها بل ربما تفاصيل جوائزها والفائزين بها.

في حين أن لدينا في سلطنة عمان مسابقة سنوية تحت مسمى "جائزة السلطان قابوس للثقافة والعلوم والآداب" تعتبر أكبر جائزة في الشرق الأوسط في قيمتها المادية، إذ تصل لـ(100.000) ريال عماني للفائز الواحد عن كل مجال، ولكن للأسف لا يعلم عن تفاصيلها البسيطة سوى النخبة من المثقفين في حين أن كثير من عامة الناس لا يعرفون عنها سوى الاسم بل حتى اسم المسابقة يعرفونه كاملا، وهذه حقيقة التمستها بنفسي وهي من أرض الواقع وليست مبالغة. هذا بالنسبة لسكان السلطنة فما بالك بخارج السلطنة!.
 هذا عن مسابقة واحدة فكيف بباقي المسابقات التخصصية في البيئة والعمل التطوعي والصناعات الحرفية وغيرها الكثير.

فما هو السبب إذن؟

الأسباب حسب رأي تتمثل في التالي:

1-ضعف الدعاية والترويج بشكل عام في السلطنة، وكثير من المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة لدينا لا تكترث بمسألة ترويج المنتج سواء كان خدمة مجانية أو سلعة أو للترويج لقضية أو مناسبة معينة. وتعتبر بأن نشر إعلان "جامد" في عدد من الصحف، أو على لوحة يمر قربها شارع رئيسي ، وهذا غير كافئ ولا ينم عن فهم لمعنى الترويج، أو ترويج الفكرة.

2-لا توجد لدى الحكومة العمانية ما يسمى بإدارة قضايا الرأي العام -بمعناها الحقيقي، ولا يعني بأني اتفق مع مثل هذا الإجراء لكن الحقيقة تقال بموضوعية، وأقرب مثال هو ما فعلته الدولة الجارة في توجيه الرأي العام لديها في قضية حرب اليمن بعد مقتل 52 من جنودها في حرب لم يكُ للرأي العام في الدولة ناقة له ولا جمل، وحتى لا ترتفع الأصوات المعارضة للمشاركة في هذه الحرب، شنت هذه الدولة عبر وسائل الإعلام بكافة أنواعها هجمة قوية لتوجيه الرأي العام عندهم وفقا لما تريد هي، وبأساليب احترافية، فمن يقلّب محطات التلفزة والصحف والمواقع في الدولة (ص) يدرك هذ الحقيقة. وهذا كمثال من الواقع على إدارة الرأي العام.

3- يقول "بيل جيتس" بأن المحتوى هو "الملك"، وللأسف ما يتم نشره عبر وسائل الإعلام العمانية على أنه "منجزات" يكون بطريقة تقليدية جدا، لا تتناسب وثقافة هذا الجيل، أي أن طريقة الحديث عن المنجز الفلاني تأتي في قالب جامد لا ينم عن فهم للتسويق الحديث الذي يعتمد على إظهار نقاط القوة في المحتوى أو المنتج. في هذه الحالة يٌنصح بأن تسأل السؤال: لماذا يحتاج الناس لهذا؟ ومال الفائدة المنتظرة؟، الجواب يكون بذكر نقاط القوة أو الفائدة عند الترويج للشيء الفلاني.

وكمثال بسيط: عند الحديث عن افتتاح شارع، يقول المذيع بصوته الرخيم الجامد: "افتتح صباح اليوم الشارع الذي يربط بين ولاية كذا بكذا بمسافة تصل لعشرين كيلو".

ولن يكترث أحد لهذا الخبر، فمنذ ولادتنا ونحن نسمع نفس الخبر، فأصابتنا الرتابة منه.

لكن لو تطرق المذيع لنفس الخبر من زاوية أخرى، بحيث يقول مثلا: "لم يعد سكان ولاية كذا بحاجة للسير لمسافة أطول، وزارة النقل شقت طريق مختصر يمر بمناظر جميلة، كما لن يعوقهم نزول الأودية بعد الأن، لأنه م استخدام عبارات ضخمة وجسور علوية...". هنا اختلفت طريقة تقديم المحتوى لكن الخبر هو نفسه وهو افتتاح طريق.

4-ضعف التفاعل مع المحتوى الإلكتروني والتطبيقات الهاتفية، فعدد الحسابات الحكومية المتفاعلة مع الجمهور تعد بالأصابع، كثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية فتحت لها حسابات على الفيسبوك وتويتر ولكن لا توجد إدارة حقيقية لهذه الحسابات، ونسبة التفاعل مع الجماهير تكاد تكون ضئيلة جدا-باستثناء ثلاثة أو أربعة حسابات فقط-، وهذا الأمر هو امتداد لضعف تقديم المحتوى، والأمر الأسوأ أن بعض المؤسسات لا تدير حساباتها مباشرة، بل عن طريق شركة علاقات عامة تقوم بالتعاقد معها على أن تنشئ لها حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الأولى بأن يدير حسابات المؤسسة موظفين متخصصين يعرفون ماذا تريد المؤسسة وكيفية التفاعل مع الجماهير.

5-الصمت أو الحديث بخجل عن بعض الأمور التي يمكن أن تحسب كرقم إيجابي في صالح السلطنة،  فهناك بعض الأمور الجيدة التي تقوم بها الحكومة العمانية سواء داخل السلطنة أو خارجها، ولكن لا يتم تقديم ذلك للجماهير بمستوى يليق بالحدث، في حين أنه من الذكاء استغلال تلك الأفعال الإيجابية للترويج ولتحسين السمعة فوق حسنها. من باب الحسنات يذهبن السيئات.

وكمثال بسيط جدا، تقوم الحكومة بإيصال الكهرباء والخدمات الأساسية لعدد من القرى الجبلية التي يقطنها عدد محدود من المنازل لا يتجاوز العشرة، وهذا يكلف الدولة ملايين الريالات، وبالتأكيد هذا واجب عليها، لكن في نفس الوقت من الذكاء إظهار تلك الخدمات للعامة بطريقة تحسب كرقم إيجابي للحكومة وتكون حاضرة في الذاكرة عند الحديث عن منجزاتها، وبالتأكيد ستكون حاضرة في المقارنات التي ذكرتها بداية المقال، الترويج عن هذا لا يأتي بطريقة تقليدية كما نشاهده في التلفزيون، بل بطريقة احترافية تجعل منه حديث الرأي العام. (هذا كمثال توضيحي فقط).

6-قلّة الزيارات الميدانية من قبل المسؤولين الحكوميين التي يمكن أن يستغلها الإعلام العماني لإظهار جهودها للرأي العام، وإن حدث فالتطرق لها يكون بصورة تقليدية جامدة لا تؤتي ثمارها. وهنا لابد من ذكر تجربة معالي وزير النقل والإتصالات "الفطيسي"، حيث اعتمد على نفسه في هذا المجال ويبدوا أنه واعي لهذه النقطة لذا يوثق زيارات الميدانية عبر النشر الإلكتروني في مواقع التواصل الإجتماعي لذا النتيجة أنه يعتبر من أكثر الوزراء الذي يشيد بهم الرأي العام العماني.

7-ضعف التواصل الإعلامي الخارجي، وقلة الرسائل الموجهة للبشر خارج السلطنة، فلا يوجد في السلطنة مكاتب معروفة لوسائل إعلام عالمية، ففي حين أن الدولة الفلانية لديها مكاتب إقليمية لأغلب أكبر وسائل الإعلام العالمية سواء المقروءة أو المرئية ، ونكتفي في السلطنة بصحفي يعمل في مؤسسة ما ويكون مندوبا لدى وكالة الأنباء الفلانية، ويضطر إرسال الخبر أولا لمكتب الوكالة في الدولة المجاورة ومن ثم يعتمد للنشر من هناك.

الخلاصة:

النقاط المذكورة أعلاه هي كجواب محتمل للسؤال المطروح بداية المقال وهو :لماذا نقارن؟، فلو كانت الحكومة العمانية مدركة لمعنى صنع وإدارة الرأي العام لَقلّة المقارنات، ولتولّد لدى الرأي العام العماني قناعة تامة وواضحة بجهود حكومته، واندملت ندبة عقدة النقص لدى البعض. والقارئ الذكي سيدرك أني أيضا اعتمدت على المقارنة بالدولة المجاورة وهذا دليل على قوة تأثر آلتهم الإعلامية حتى خارج دولتهم، بجانب أني احتجت للمقارنة لتوضيح الفكرة. كما أن هذا الموضوع يحتاج للنقاش بصورة أكبر، وأقترح بأن تقوم وزارة الإعلام بعمل حلقة نقاشية عامة تحلل الوضع بشكل أعمق.

مع التأكيد أني لا أقول بأن ما تفعله الحكومة هو صحيح أو خطأ، ولست مدافعا عنها أو ضدها، وإنما هو رأي شخصي أحسبه "موضوعيا" وددت مشاركتكم به، ولكم أن تتفقوا أو تختلفوا مع الفكرة.


  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق